بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 2 فبراير 2021

الابتزاز العاطفي(ذئاب في ثياب الحملان)الجزء ١

 

الابتزاز العاطفي.. ذئاب في ثياب الحملان ج(1)

الدكتورة مريم خلف
15:48 29 يناير, 2021

عندما يستخدم الأشخاص الموجودون في حياتنا (الخوف والواجب والذنب) للتلاعب بنا..

هل جربت أو مررت بخبرة أن تقدم كل ما تستطيع لشخص ما (قريب منك) مع ذلك لم ينته الأمر نهاية جيدة؟ بدلًا من ذلك شعرت بالذنب والخزي والخوف وأنك شخص غير مخلص؟ هل ابتزك أقرب الناس اليك؟ دعنا نفكر ونحلل ذلك سويًا.

في مقابلة مع عالم النفس الإكلينكي الدكتور (جورج سايمون) الخبير المعترف به دوليًا في أمور التلاعب واضطراب الشخصية والمؤلف للكتاب الأكثر مبيعًا (في ثياب الحملان).

يقول سايمون: كنت أتعامل مع عدد هائل من الأشخاص في ممارستي كطبيب نفساني إكلينكي، كان أغلب الذين يترددون إلى عيادتي هم مما يعرف سابقًا (بمتلازمة الألغاز). لم يكن لدينا اسم لها حينها وكان هؤلاء الأشخاص مكتئبون في أغلب الأحيان وفي حيرة من أمرهم وتظهر عليهم علامات النجاة من الصدمة، شعروا بالجنون لكنهم لم يتمكنوا من تحديد السبب. مع ذلك كان هناك دائمًا شخص ما في حياتهم يعرفونه ويذكرون إن هناك شيئًا خاطئًا بخصوصه، لكن هذا الشخص جعلهم يعتقدون أنهم مجانين أو الاشتباه في ذلك، مما جعلهم مرتبكين وغاضبين ومكتئبين. يُكمل (سايمون) عندما تعرفت على هؤلاء وقصصهم أصبح من الواضح أنهم كانوا يتعاملون مع بعض المبتزين المتلاعبين النموذجيين. أولئك الناس الذين هم ذئاب يضرب بهم المثل في ثياب الحملان، هؤلاء هم الأشخاص الذين خرجوا للفوز والسيطرة والذين يعرفون أيضا كيف يظهرون ذلك بشكل جيد ويقومون بذلك بشكل جيد. وكيف يخفون عدوانهم باستخدام تكتيكات خفية لتجعلك تشعر بأنك الشخص السيئ بسبب وجود مشكلة معهم. وهكذا وبعد التعامل مع عدد كبير من هؤلاء الأشخاص وسماع الكثير من القصص وإجراء الكثير من البحوث والدراسات ولسنوات قررت أن أكتب كتاب (في ثياب الحملان) ولا يزال هذا الكتاب وبعد 22 عامًا هو الكتاب الأكثر مبيعًا.

إذًا ما هو سلوك التلاعب أو الابتزاز وتعريفه؟

الابتزاز هو شكل من أشكال التلاعب يهدد به الأشخاص المقربون منا بالاقتصاص منا ما لم نفعل لهم ما يريدون، حيث يعلم المبتزون مدى اعتزازنا بعلاقاتنا معهم، كما أنهم يعرفون نقاط ضعفنا وأسرارنا الدفينة. المبتزون والمتلاعبون قد يكونون آباءنا، شركاؤنا أو رؤساء عملنا أو زملاؤنا أو أصدقاؤنا أو أحبابنا. وبغض النظر عن مدى اكتراثهم بنا، فهم يستخدمون هذه المعرفة الحميمية لكي نستجيب لهم. حيث يهدد المبتزون المقربون منا بطريقة مباشرة غير مباشرة بالاقتصاص منا إن لم نفعل لهم ما يريدون، لأنهم يعلمون بأننا بحاجة إلى الحب أو الاستحسان، حيث يعمد المبتزون إلى التهديد بمنع الحب أو سلبه تمامًا أو جعلنا نشعر بوجوب اكتسابه.

أكثر أنواع التلاعب شيوعًا هو العدوان الخفي أو المستتر ،يكون الشخص خارجًا للسيطرة عليك والتحكم بك ولديه طريقة للتعامل معك للتأكد من أنك تخضع لإرادته ويقوم بذلك بطريقة يصعب عليك رؤيتها، بعبارة أخرى إذا كانوا صريحين فانهم قد يقولون لك (هذا طريقنا أو الطريق الصحيح والسريع) وقد تقوم أنت ببعض المقاومة ولكن أغلبهم متسترون أذكياء يستخدمون تكتيكاتهم، وكأنها سحر ويعرفون كيف يستخدمون عواطفك وخاصة ضميرك ليقودك إلى طريقة تفكيرهم، وهذا الأسلوب الخفي هو القتال معك بطريقة يصعب رؤيتها وفعالة للغاية. وهذا هو قلب وروح السلوك التلاعبي. أنه (اللعب على عواطفك وتعاطفك وخاصة ضميرك) ليشق طريقه معك، إنها استراتيجية عدوانية خفية تستخدم في العلاقات وهي مدمرة للغاية.

يخلق المبتزون (ضبابًا كثيفًا) يغشون به أعمالهم، يراد بذلك الضباب الإشارة إلى الخوف والالتزام والذنب، يضع المبتزون ضبابًا يحيط بعلاقاتهم، ضامنين بأننا نشعر بالخوف من اجتيازه ونشعر بأننا ملزمين للإيفاء بما يرغبون ونشعر بذنب كبير إذا لم نقم بذلك.

يتكون الابتزاز من أمرين: حيث إنه صفقة، فبعد الوضوح يأتي التغير. من السهل التركيز على سلوك الأشخاص الآخرين والتفكير بأنه لو تغير ستكون الأمور على ما يرام. يجب أن يبدأ التغيير في هدف الابتزاز (الشخص الذي يتم ابتزازه) فانصياعنا وإذعاننا يرضي المبتزين في كل مرة نُرضي بها أحدًا لعمل معين. سواء أدركنا ذلك أم لا نحن نسمح له بأشد لهجة ممكنه لأن يفعل ما فعله مرة أخرى. والثمن الذي ندفعه لقاء استسلامنا المتكرر للابتزاز العاطفي هو ثمن باهظ، فهو يدمرنا ويأخذ بالتفاقم إلى درجة أنه يضع أهم علاقاتنا بالإضافة إلى مفهومنا الشامل لاحترام الذات في مهب الريح.

يُمكن التلاعب مع الأفراد والتحكم بهم من خلال السيطرة عليهم عن طريق الإرهاب، إنه ليس أكثر أشياء التلاعب شيوعًا، ولكن هناك العديد من الطرق للتحكم في الأشخاص من خلال الخوف. هناك الكثير من الدراسات حول هذا الموضوع والأكثر شهرة هو (متلازمة ستوكهولم) مشاعر الثقة أو المودة التي تشعر بها الضحية في كثير من حالات الاختطاف أو أخذ الرهائن أو الأسر، حيث بعد تجربة الرعب الشديد، تبدأ الضحية في التعرف على المعتدي والقبول به.

هناك العديد من الطرق للسيطرة على الناس وممكن القيام بها بشكل علني، ولكن الطريقة الأكثر شيوعا والأكثر ذكاء والأكثر فعالية، هي إبقاء عدوانك متخفيًا إلى حد ما. وضرب الأفراد بشكل أساسي بأسلحة (الذنب والعار ولعب دور الضحية وجعل الشخص الآخر هو الضحية) هذه كلها تكتيكات صغيرة ذكية لجعل الشخص الآخر يتكيف مع طريقة تفكيرك والقيام بكل ما تريده ويعرف المتلاعبون الجيدون كيفية استخدام هذه التكتيكات جيدًا.

ولكن ألسنا جميعًا متلاعبين إلى حد ما؟

نعم جميعنا متلاعبون إلى حد ما، وللأسف فنحن نوع من المخلوقات العدوانية نعيش في عالم غير ودود يتعين علينا بذل قصارى جهدنا للبقاء والازدهار ونحن في منافسة مع بعضنا البعض. ونحاول جميعًا أن نحقق طريقتنا الخاصة، أي أننا لسنا لطفاء دائمًا مع بعضنا البعض، نحن نقاتل أكثر مما نفعل أي شيء آخر في كل أمور حياتنا في سياستنا وأمورنا وأعمالنا وشؤوننا الاجتماعية، القتال موجود في كل ما نقوم به تقريبًا والطريقة التي ندير بها تلك المعركة هي ما يحدد شخصيتنا.

عندما نكافح بشكل عادل من أجل شيء عادل، عندما لا يتعلق الأمر بنا حقًا ولكن يتعلق بمبدأ صحيح ما، عندما نكافح مع مراعاة مشاعر ورفاهية شخص آخر، عندما نحترم حقوقًا وحدودًا معينة، فإن ذلك من حيث التعريف (سلوك حازم) وعلينا جميعًا أن نكون حازمين، لأن هناك بعض الأشياء في هذه الحياة يجب أن نكافح من أجلها. ولكن عندما يتعلق الأمر بنا وعندما نفعل كل ما يتعين علينا القيام به لنصل إلى طريقنا، عندما لا نتحلى بأي شيء عن إيذاء الناس في هذه العملية، ويكون هناك القليل جدًا من الفائدة باستثناء الحصول على ما نريد، إذا نكون عدوانين بدلًا من حازمين وعندما نفعل ذلك الخفاء وببراعة يكون ذلك تلاعبًا ويكون مدمرًا في العلاقة.

يطلعنا المقتصون على ما يريدونه بالضبط أما العواقب التي سنواجهها ما لم نعطهم إياه هي الأكثر وضوحًا وقد يعبرون عن أنفسهم بطريقة عدوانية أو قد يغوصون في صمت ينم عن غضب. ولكن في كلتا الحالتين يوجه الغضب نحونا دائمًا بطريقة مباشرة. وكلما توطدت العلاقة زادت المخاطر وأصبحنا أكثر ضعفًا تجاه المقتصين. وحين يتفاقم الابتزاز قد تصبح العواقب المنبه عليها إنذارًا بالخطر. كالهجر أو الانقطاع العاطفي أو سحب الأموال أو الموارد الأخرى أو انفجار الغضب الموجه نحونا. وإذا ما وصل الأمر إلى أشده قد يتم التهديد بإنزال الأذى الجسدي.

من يقع عليه سلوك التلاعب؟

لا نستطيع التلاعب بكل الأشخاص فقط أولئك الذين يمتلكون ضميرًا حساسًا كبيرًا جدًا وشعورًا بالذنب والعار لكي تنفع معهم هذه التكتيكات مثال: لو حاولنا التلاعب مع شخص نرجسي للغاية وليس لديه ضمير لو حاولنا فقط إقناعه بفعل شيء ما سنكتشف في وقت قصير أنه لا يعمل ما نطلب منه لأنه لا يمتلك القدرة على الشعور بالذنب وليس لديه الضمير الضروري. ولكن هؤلاء هم الأشخاص الذين يتمتعون بسمات نرجسية وعدوانية هائلة في شخصيتهم ولا يمانعون في ضرب شخص ما وإلحاق الأذى به بطرق مختلفة. هؤلاء هم الأشخاص الذين لا يهتمون بأي شخص أو أي شيء بخلاف احتياجاتهم الذاتية وهم على استعداد لفعل كل ما يتطلبه الأمر. هؤلاء هم أكثر الشخصيات تلاعبًا بالآخرين وضحاياهم هم من يتمتعون بصدق الضمير ويريدون فعل الصواب والذين يريدون أن يتم النظر إليهم بصورة جيدة، وهؤلاء هم من يكونون عرضة للتكتيكات التي يستخدمها هؤلاء النرجسيون لأغراض السيطرة عليهم.

من الأكثر تلاعبًا؟ النساء أم الرجال؟

قد نقول إن الرجال من النوع الأكثر عدوانية علنية والنساء من النوع العدواني السري، ولكن في التلاعب قد يكون الرجال في كثير من الأحيان (يلعبون على المشاعر) بينما (تستخدم النساء المشاعر) بعبارة أخرى يستغل الرجل مشاعر الآخرين ليتلاعب، بينما تستخدم المرأة جروحها في محاولة للتلاعب أو الحصول على السيطرة على الآخرين أو شريك العلاقة، في حين إن الرجال يلعبون بالعواطف ليشقوا طريقهم. لذلك سيرون شعور الحساسية تجاه الخزي لدى المرأة عندما لا تمنحهم ما يريدون لتشعر بعد ذلك بأنها شخص غير لطيف أو أنها شريك غير مخلص وهذا هو سلاحهم، في حين إن المرأة تستخدم جرحها وتظهر الأذى في محاولة التليين أو التأثير على شريك العلاقة، لذلك نقول إن الاختلاف الكبير في التعبير هو أن الرجال يبدو أنهم أكثر استعدادًا للعب على مشاعر النساء والاستيلاء عليها، بينما تبدو النساء أكثر عرضة لاستخدام تلك العواطف كجروح للتلاعب بغيرها.

هل النساء أكثر عرضة للعب دور الضحية كتكتيك للتلاعب؟

فيما يخص التكتيكات يبدو أنها توفر فرصًا متساوية على أساس الجنس. كلا الجنسين يلعب دور الضحية وهو أكثر الأساليب شعبية فقد تقوم بدور الضحية بنفسك والشخص الآخر أيضًا يلعب دور الضحية هذا النوع من الضربة المزدوجة، أي تكون اللكمة ضعيفة.

التلاعب عند الأطفال

متى يبدأ سلوك التلاعب بالظهور عند الأطفال؟ هل هو سلوك متأصل؟ أم أنه سلوك مكتسب يبدأ مبكرًا في الطفولة؟

ليس علينا تعليم أطفالنا القتال من أجل الأشياء التي يريدونها. ولكن الآن علينا تعزيزها، ويمكننا تزويدهم بالعديد من الرسائل في سنوات تكوينهم التي تعزز الفكرة. إننا نوع من المتوحشين بالفطرة. الحقيقة هي أن التنشئة الاجتماعية هي عملية لا أحد ولد متحضرا، لدينا طبيعة حيوانية، يمكننا أن نرتفع فوقها لكن لدينا طبيعة حيوانية فنحن نولد متوحشين ومن الطبيعي أن نحارب من أجل الأشياء التي نريدها. إذا كان للأطفال آباء أقوياء واسعو الحيلة ومبدئيون في سن مبكرة جدا فسوف يتعلم الأطفال في وقت مبكر جدًا أن أسلوب القتال المباشر لن ينقلهم إلى أي مكان.

الأطفال ضعفاء، أما الكبار فهم أقوى منهم بنواح عديدة، ليس من الجانب الجسدي فحسب، بل إنهم يعتمدون عليهم أيضًا. لذا فإن أسلوب المشاكسة لن ينجح، فالأطفال يتعلمون ومنذ وقت مبكر أن طريقة القتال الخفية باستخدام حيل صغيرة للعب على ضمير الأم والأب للتلاعب بهم هي طريقة لها نتائج جيدة بالنسبة لهم وهذا الأمر يرسل رسالة لهم بأن هذه الاستراتيجية جيدة في الاستخدام. لذا فهم يطورون هذه العادة بمرور الوقت، إلا إذا كان الآباء حكماء بما يكفي للتدخل والمساعدة في تصحيح هذه العادة.

ما هي أكثر الطرق شيوعًا لمحاولة الأطفال التلاعب بوالديهم؟

اللعب على التعاطف مثال: طفل مستبد كانت أمه شديدة الضمير ولم ترغب أبدًا في فعل الشيء الخطأ ولم ترغب في وضع طفلها في مواقف صعبة مرت هي بها سابقًا عندما كانت فتاة صغيرة، لذلك عندما يقول الطفل لأمه (أنتِ تكرهينني، أنتِ لا تهتمين بي حقًا، أنتِ لستِ بجانبي، دائمًا تنحازين للآخرين بدلاً مني) أي أنه يلعب دور الضحية ويقوم بتشويه دور الوالد وكما تعلمون فإن الآباء ذوي الضمير الحي هذا الأمر يحز في نفوسهم وكأنما قد ضغط أحدهم (زرًّا) في نفوسهم. من يريد أن ينظر له الآخرون على أنه والد سيئ، بل يحب الآباء أن ينظر لهم الآخرون كآباء محبون ومهتمون ومستجيبون، فإن استجاب الآباء للأبناء بطريقة غير صحية لكي لا ينظر لهم المجتمع بتلك الطريقة، سيتعلم الطفل أن يشق طريقه مع والده أو والدته. هنا يصبح دور الآباء معطلًا، فكيف يقود العائلة من ليس له حكمة؟! هنا يظهر تعبير أن الصغار قادوا السفينة، وكيف يدير النزلاء المنزل؟!


الجزء ٢

الابتزاز العاطفي.. ذئاب في ثياب الحملان ج(2)

الدكتورة مريم خلف
13:39 02 فبراير, 2021
هل فاقد الشيء لا يعطيه؟

إن الكثير من المتلاعبين لا يمتلكون ضميرًا، كما أن الافتقار إلى الضمير يشبه الافتقار إلى المكابح الداخلية. لماذا لا يبدو أن ضمير بعض الناس يزعجهم أو يُؤنبهم؟ هل تجاهلوا ضميرهم؟ أم أنهم لا يمتلكون ضميرًا؟

إن نماذجنا التقليدية كانت دائمًا تقول إن كل شخص لديه درجة معينة من الضمير، ولكنهم أغرقوه بنوع من التكتيكات أو آلية الدفاع اللاواعية إما الإنكار وإما الترشيد. هذا هو التفكير التقليدي.

لكننا نعلم الآن أن هناك أشخاصًا لم يطوروا ضميرًا. وقد تعودنا على التفكير في أن كل شخص سوف يتطور بطريقة صحية إذا لم يعق نموه صدمة، ولكن هذا خاطئ، فالكثير من الأشخاص الذين مروا بصدمات استطاعوا أن يطوروا ضميرًا جيدًا. ومن الخطأ أن نقول «إن فاقد الشيء لا يعطيه» أو «فقط من تأذى سيقوم بإيذاء الآخرين» بعبارة أخرى، الأشخاص الذين تضرروا من الصدمة يعيدون النظر في تلك الصدمة على الآخرين لأنهم لم يشفوا بعد.

هناك قدر معين من الحقيقة في ذلك، لكن المأساة الأكبر في عصرنا النرجسي هي أن هناك الكثير من الأشخاص بيننا أولئك الذين لم يحصلوا على التنشئة الاجتماعية المناسبة منذ البداية. أي إنهم لم يحصلوا على ما يحتاجون لكي نغرس فيهم القيم والتوجيه الإيجابي، لذلك نشأوا بضمير سيئ أو بلا ضمير على الإطلاق.

يجب أن نقول إن البديهية القديمة التي تقول:«إن من تأذى سابقًا هو فقط من يكون قادرًا على الإيذاء» تؤدي إلى قدر كبير من الأضرار وهي لا تحترم مئات الأشخاص الذين أصيبوا بجروح عميقة وتحملوا المشقة والألم والظروف المؤسفة أكثر مما يعانيه معظمنا في حياته، والذين ما زالوا يتحولون إلى أشخاص لائقين حقًّا غير قادرين على إيذاء ذبابة. يجب أن نكون مؤمنين بأننا قادرين على التغيير، التنشئة الاجتماعية هي عملية معقدة مستمرة وقد ولدنا متوحشين وبعض الناس لا يتخطون ذلك أبدًا، وفي ثقافتنا النرجسية القول إن أولئك الناس غير قادرين على أن يطوروا ضميرًا صحيًّا فهذه هي المأساة.

لماذا لا يجب أن أتلاعب بالآخرين؟

نحن نعيش في عصر الأنا والنرجسية حيث لا يجري التسامح مع السلوك السيئ فحسب، وإنما يجري الاحتفال به ومكافأته. إذا واجهك وقال انظر سأكون صادقًا، أنا أتلاعب بالناس ولماذا لا أفعل، فأنا بالتلاعب أحصل على ما أريد ويجعلني هذا ناجحًا فماذا ممكن أن تقول؟

كما يعلم معظمنا أننا جميعًا سنموت في مرحلة ما، يدرك معظم الناس أنه على الرغم من أن الأمر كله يتعلق بهم، فإنه لا يمكن أن يكون كل شيء عنهم. سواء أحببنا ذلك أم لا، وسواء كنا نقدره أم لا، وسواء أدركنا ذلك أم لا فنحن جميعًا جزء من شيء أكبر، وكل ما نقوم به له تأثير في كل شيء آخر أو شخص آخر. وعندما نحصل على ذلك أخيرًا، عندما نهتم أخيرًا بما يكفي لجعل هذا الأمر مهمًّا نغير حياتنا للأفضل ويكون لدينا تأثير أكثر إيجابي في حياة أولئك الذين نتواصل معهم، هذه مسالة روحية للغاية.

لكن نحن في هذا العصر نعاني من الإفلاس الروحي، لدينا الكثير ونحن نعده أمرًا مفروغًا منه، ولا نولي اهتمامًا للصورة الأكبر لأننا نجحنا في مجرد الاهتمام بأنفسنا ورغباتنا الصغيرة. إنه عصر (أنا) حتى الكوكب نفسه يصرخ من الإساءات التي كدسناها عليه. في النهاية سنعيش ونزدهر كنوع عندما نحتضن تلك الصورة الأكبر وعندما نضع حدًّا لتلك النرجسية والتركيز على الذات والانغماس في الذات وندرك ما إذا كنا نحبها (الطبيعة) أم لا، سواء اعتنقناها أم لا، فنحن جزء من شيء أكبر ولدينا مسئولية لإدارة أنفسنا بطريقة أكثر مسئولية.

هل التلاعب واعٍ أم غير واعٍ؟

العديد من الأشخاص في الطرف المستقبل يتساءلون دائمًا:-

«ألا يرى هذا الشخص الآخر ما يفعله؟ ربما إذا كان بإمكاني جعلهم يرون».

حسنًا، المشكلة هي أنهم يرون بالفعل. إنهم يعرفون بالضبط ما يفعلونه. وإلا لما فعلوا ذلك. يأتي هذا النوع من المفاهيم من النماذج النفسية القديمة والمتهالكة التي تفترض أن سلوك معظم الناس غير واعٍ، ولا يعني ذلك أن هذا المنظور غير صحيح. إنه منظور صالح لكثير من الناس، خاصة أولئك الذين لديهم درجة معينة من الضمير وهم في صراع مع طبيعتهم الحيوانية. لكن هناك أناسًا بيننا بشكل متزايد هذه الأيام، الذين ليس لديهم ضمير، إنهم على علم لكنهم لا يهتمون، إنهم يرون لكنهم يختلفون، إنهم يعرفون ما المبادئ الصحيحة لكنهم يتعارضون مع هذه المبادئ، إنهم مدللون يريدون فقط أن يشقوا طريقهم وسوف يفعلون كل ما يلزم للحصول عليه، إنهم يعرفون بالضبط ما يفعلونه، وبمجرد أن يدرك الشخص الموجود على الطرف الآخر ذلك، سيبدأ سريعًا في الدفاع عن نفسه وعدم قبوله بعد الآن.

كيف هو العالم الداخلي للمتلاعب أو المبتز؟

يكره المبتزون العاطفيون الخسارة، فليس بإمكانهم تحمل الإحباط وبالنسبة للمبتز الإحباط مرتبط بمخاوف عميقة وطنانة من الخسارة أو الحرمان، وهم يخبرونه على أنه تحذير مفاده إذا لم يتخذ إجراء فوري فسيواجهون عواقب غير محتملة. وقد تكون تلك القناعات راسخة في تاريخ مطول من الشعور بالقلق والخطر. وإن إتمام وتقوية عوامل جينية محتملة ما هي إلا رسائل شديدة الوضوح من رُعاتنا ومجتمعنا تخبرنا عن هويتنا وكيف يُفترض أن نتصرف. يعتقد المبتزون أن بإمكانهم تعويض إحباطات الماضي عن طريق تغير الوضع الحالي.

ترتفع طاقة الابتزاز بصورة دراماتيكية خلال الأزمات: مثل الانفصال، أو الطلاق، أو فقدان الوظيفة، أو خلال المرض، أو التقاعد، ربما يقوض إحساس المبتزين بأنفسهم كأشخاص ذوي قيمة. وفي أغلب الأحيان فإن الأشخاص الذين تَوفَر لهم كل شيء وتمت حمايتهم حماية مفرطة وعاشوا شكلًا من أشكال الدلال، لم يحظوا بفرصة لتطوير ثقتهم في قدرتهم على تحمل أي نوع من الخسارة. وبعد أول إشارة تدل على إمكانية حرمانهم من شيء ما، يصابون بالذعر ويدعمون أنفسهم بالابتزاز. عادة يركز المبتزون كليًّا على احتياجاتهم ورغباتهم ولا يبدون أي اكتراث لاحتياجاتنا أو مدى تأثير الضغط الذي يسلطونه علينا. وهم يتصرفون غالبًا وكأن كل خلاف يطرأ هو مسألة حياة أو موت بالنسبة للعلاقة.

ينجح المبتزون من خلال تكتيكات تُحدِث صدعًا في العلاقة لا يُحمد عقباه. مع ذلك يبدو ذلك النصر القصير الأمد مقتصرًا على ذاته فقط، وكأنه ليس هناك من مستقبل يؤخذ بنظر الاعتبار. ومعظم المبتزين يعملون من منطق «أريد وقت ما أريد». وأي منطق أو قدرة على رؤية عواقب أفعالهم يحجبها الإلحاح الذي يشعر به المبتزون حين يمسكون بما يريدون.

إن أهم الأمور التي يجب إدراكها هو أن المبتز أو المتلاعب بالعاطفة يقول ويشعر بأن ما يفعله من أجلك أنت ولكن في أغلب الأحوال، ليس الأمر من أجلك مطلقًا. حيث إنها تنبع وتحاول أن تثبت بعض المواطن غير الآمنة داخل المبتز. وفي الكثير من المرات يتعلق الأمر أكثر بالماضي لا الحاضر وهي مرتبطة بسد احتياجات المبتز أكثر من ارتباطها بأي شيء يقول هو بأننا فعلناه أو لم نفعله.

يتطلب الأمر طرفين

لا يمكن للابتزاز أن ينجح لولا المشاركة الفعالة للهدف. فالهدف يسمح له بالحدوث. قد تكون على علم بالابتزاز، ولكنك تشعر بعدم قدرتك على المقاومة، لأن ضغط المبتز يطلق فيك استجابات مبرمجة تقريبًا، حيث إن ردود أفعالك ذاتية ومندفعة.

قد يدرك المبتزون المواضيع الخلافية بالنسبة لك. وحين يتم مقاومتهم، يُثار الخوف من الحرمان فيستخدمون كل معلومة لضمان انتصارهم.

إن الصفات الوقائية التي نمتلكها والتي تفتح الباب للابتزاز العاطفي هي ما يلي:-

– حاجة مفرطة للحصول على الاستحسان.

– خوف شديد من الغضب.

-الحاجة إلى السلام مهما كلف الأمر.

– النزوع إلى تحمل مسؤولية حياة الأشخاص الآخرين أكثر من اللازم.

– مستوى عالٍ من الشك بالذات.

عندما تجري موازنة تلك الأنماط واستبدالها بسلوكيات أخرى، لن يتحتم عليك أن تكون «الهدف المفضل» للمبتز بالعاطفة. يتطلب الابتزاز العاطفي تمرينًا ومزاولة. ويستمد المبتزون إشاراتهم من ردود أفعالنا تجاه اختياراتهم ويتعلمون مما نفعله ومما لا نفعله على حد سواء.

أثر الابتزاز

قد لا يهدد الابتزاز العاطفي حياتنا، لكنه يسلبنا نزاهتنا. والنزاهة هي المكان الذي تسكنه قيمنا وبوصلتنا الأخلاقية، موضحة لنا الصواب من الخطأ.

ـ نخذل أنفسنا.

ـ تنشأ حلقة فاسدة.

ـ التسويغ والتبرير.

ـ الأثر في رفاهيتنا:-

ـ الصحة العقلية.

ـ الأذى الجسدي كتخدير.

قد نخون الآخرين لتهدئة المبتز، إنه يمتص الأمان من العلاقة، وقد نغلق أو نقيد الكرم العاطفي.

كيف نواجه المبتز أو المتلاعب؟

من أجل أن نتغير، علينا أن نعرف ما علينا فعله، ومن ثم ننطلق إلى الفعل. إذا كنت راغبًا في اتخاذ إجراء فوري والسماح لمشاعر الثقة والأهلية لديك باتباعك، يمكنك إنهاء الابتزاز العاطفي.

ثلاث خطوات بسيطة:-

(تعهد، جملة فورية: أستطيع تحمل ذلك، مجموعة من العبارات المعززة للذات)

الخطوة (1): توقف

لا تتخذ قرارًا بخصوص كيفية استجابتك لخطة تلقيك للطلب. امنح نفسك بعض الوقت للتفكير.

الخطوة (2): كن رقيبًا

اجمع المعلومات التي تحتاجها للرد على المبتز.

افهم حقيقة ما يحدث:

بماذا تفكر؟

بماذا تشعر؟

ما بؤر التوتر بالنسبة اليك؟

تابع المراقبة إلى أن تبدأ بإنشاء ارتباطات بين اعتقاداتك ومشاعرك وسلوكك.

الخطوة (3):- وقت لصناعة القرار

هناك ثلاث فئات من المطالب

_ مطلب ليس بالكبير والصعب

_ مطلب ينطوي على مهمة، حيث تكون نزاهتك على المحك.

_ مطلب ينطوي على أمور حياتية رئيسية والإذعان له ضار لك وللآخرين.

حدد عملية صناعتك للقرار وخذ بنظر الاعتبار مدى تأثير كل خيار في حياتك ونزاهتك.

حين تصنع قراراتك بالاستناد إلى معاييرك لا معاير المبتز، فأنت تسدد ضربة موجعة لدورة الابتزاز العاطفي.

كيف أواجه التلاعب العاطفي أو الابتزاز العاطفي؟

هناك عدة إستراتيجيات

1- التواصل اللا دفاعي

لا تدافع عن أو تقر قراراتك أو ذاتك عند التعرض إلى الضغط، وإنما استعمل عبارات مثل (آسفة لانزعاجك) أو(حقًّا، يمكنني فهم سبب رؤيتك للأمر بهذه الطريقة) فبدون الوقود التي يوفرها الهدف، تتلاشى محاولات الابتزاز التي كانت في السابق تنجح بامتياز.

دقق في اختيار الزمان والمكان. ضع شروط المقابلة وأعلن قراراتك وتمسك بها، ورجح بأن لا يستجيب لك في الحال، توقع إجاباتهم، تمرس على لعب الدور (قد تتعرض لتهديدات أو شتائم أو سب أو أحكام سلبية، سيل من (لماذا) و(كيف) تطالبك بتغيرات حول قرارك.

فيما يخص الأشخاص ذوي (الصمت الغاضب)، حافظ على عدم الدفاع.

2- استخدام المبتز أو المتلاعب بوصفه حليفًا.

حين يصل الابتزاز إلى درجة من التأزم، من المفيد تحويل الحوار عن طريق تضمين الشخص الآخر في عملية حلك للمشكلات. تقرب اليه بفضول ورغبة في التعلم، استخدام «أداة التساؤل» (أتساءل ما قد يحدث لو…).

3- المقايضة

إذا أردت أن يغير شخص ما من سلوكه، وفي الوقت نفسه تعد بضرورة إحداث تغيرات على أسلوبك أنت، قد تكون المقايضة هي الحل السليم، حيث إنها انتصار للطرفين. وهي تساعد على طرح الاستياء عن طرف من الطرفين.

4- استخدام حسن الدعابة

في العلاقات الجيدة في أساسها، يمكن أن تصبح الدعابة أداة فاعلة من أجل اطلاع الشخص الآخر على الصورة التي يبدو عليها سلوكهُ بالنسبة لك.

ذئاب في ثياب الحملان مصطلح يستخدم لوصف أولئك الذين يلعبون دورًا مخالفًا لشخصياتهم الحقيقية، ولا تستطيع أنت أن تكشفهم ويكون الاتصال بهم خطيرًا، والأخطر من ذلك أن هؤلاء قد يكونون ضمن الدائرة الأقرب لك (الأهل، الأحبة، الأصدقاء، الزملاء، رؤساء العمل).

وكما يقال:«لا ينبغي الحكم على الناس من خلال مظهرهم الخارجي وإنما من خلال أعمالهم، لأن الكثيرين ممن يرتدون ملابس الحملان يقومون بأعمال الذئاب».


تحليل نفسي لاسباب المقاطعة

  لماذ قاطع العراقيون انتخاباتهم مؤخرًا؟ الدكتورة مريم خلف 15:00 23 نوفمبر, 2021 أجريت في 10 من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي انتخابات سميت با...