بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 23 نوفمبر 2021

تحليل نفسي لاسباب المقاطعة

 

لماذ قاطع العراقيون انتخاباتهم مؤخرًا؟

الدكتورة مريم خلف
15:00 23 نوفمبر, 2021

أجريت في 10 من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي انتخابات سميت بالمبكرة، شخصيًّا لا أعرف لماذا أجريت ولماذا تم تبكيرها؟ قد يكون ردًّا على الاحتجاجات المناهضة للحكومة في أكتوبر. مَرَ العراق بسلسلة انتخابات سابقة بعد احتلاله عام 2003 وإزالة نظامه عن طريق إعدام رئيسه وتدمير جيشه وتفكيك أنظمته وقواه الأمنية، ولتقوم القوى الخارجية والمعارضة بتثبيت وضعها في السلطة والقول إن ما حصل للعراق هو «تحرير» وليس «احتلالًا» سمحت وخططت بتطبيق تجربة أسمتها «الديمقراطية» ليتضح بعد ذلك أنهم لا يعرفون اسمها الحقيقي ودرجة نضجها، تارة يقولون إنها فترة مخاض، وتارة هي تجربة وليدة، وتارة يقولون إنها طفل يحبو، وتارة يقولون إنها تجربة مراهقة. ولكي تُطبق هذه التجربة مَرَ العراق بسلسلة اختبارات (انتخابات) لتشكيل العراق الجديد.

لنرجع إلى البدايات بعد احتلال العراق واعتقال الرئيس العراقي السابق ومحاكمته وإعدامه، عُمل على تشكيل «الجمعية الوطنية» أو ما يسمى بمجلس الحكم أو البرلمان العراقي، والذي كان معظم أعضائه من خارج البلد، قيل إن الشعب صوت لاختيار 275 نائبًا من هؤلاء بتاريخ 30 يناير (كانون الثاني) من العام 2005 وتم هذا الأمر بمباركة القوى الغربية، كما يحصل بكل الانتخابات التي يجريها العراق الآن، انبثق عن هذا التصويت حكومة عراقية انتقالية بقيت هذه الحكومة عددًا من الأشهر لتستلم رواتب خيالية إلى حد هذه اللحظة التي يكتب بها هذا المقال.

تلت هذه العملية عدة انتخابات شارك وقاطع فيها العراقيون، كانت نسب المشاركة معقولة في بداية أولى الانتخابات بعد الاحتلال، ولكنها بدأت تنخفض خلال الانتخابات الأخيرة وتصل إلى حد المقاطعة.

أحد الأسئلة الصعبة التي تتحدى علماء النفس السياسي هو لماذا يصوت المواطنون في دولة ديمقراطية؟ يتوفر فيها كل شيء ماذا سيريد المواطن من تلك الدولة؟ تبقى أسباب الإقبال مجهولة وربما غير عقلانية أما في دولة مقهورة نظامها السياسي منخور؛ فالأسباب قد تكون معروفة ومتعددة.

واحدة من القضايا الرئيسية للعديد من علماء النفس الاجتماعي هي فهم ما يوجه سلوك التصويت. تشكل قرارات التصويت المستنيرة والعقلانية العمود الفقري لديمقراطية تمثيلية مستقرة. ومع ذلك، فإن العديد من الدراسات تشكك في عقلانية اختيارات الناخبين، بالنظر إلى أن متطلبات اتخاذ خيار عقلاني تتجاوز مصالح المواطنين وقدراتهم.

تظهر الدراسات الجديدة أن 90% من قراراتنا تُتخذ دون وعي وليس على أساس عقلاني. على الرغم من أن المرء قد يعتقد أنه يتحكم بشكل كامل في القرارات التي يتخذها، فإن العديد من خيارات التصويت تخضع لملايين التحيزات الصريحة والضمنية. ومن ثم، فإن الفهم الشامل لهذه التفضيلات الداخلية قد يجعل المواطنين أكثر يقظة خلال الانتخابات القادمة. إن زيادة مستوى الوعي بين الناخبين أمر ضروري بشكل خاص في دولة نامية مثل العراق تشوب انتخاباتها الكثير من الشكوك، بالنظر إلى أنهم يشاركون المسؤولية في تحديد مستقبل بلدهم.

إن احتمال خروج الشخص في يوم الانتخابات خاصة في دولة لا تقدم له أي خدمات أو تمنحه حقوقًا هو وظيفة مضاعفة. تشترك الكثير من العوامل في دفع الفرد للمشاركة أو تثبيط سلوك التصويت لديه أو عدم المشاركة، يعتمد على موقع الفرد الاجتماعي وتصرفاته النفسية والإجراءات التي ينطوي عليها سلوك المشاركة، والأحداث التي تجري في وقت كل انتخابات.

وقبل كل شيء لنطرح معادلة اقترحها داونز «1957» والتي شكلت تفكير العلماء في هذا المجال وهي:

R=«B» «P»-C+D«1»

R= المكافأة التي سيحصل عليها المواطن من التصويت.

B=الفائدة التي يعتقد انه سيحققها من فوز مرشحه المفضل.

P=إدراك الشخص لاحتمال أن صوته الواحد سيغير نتيجة الانتخابات.

C=التكلفة التي يتحملها الفرد في التصويت من حيث الوقت والمال والموارد الأخرى.

D= الرضا النفسي الذي سيكسبه الشخص من التصويت.

1= إذا كان R إيجابي  يفترض أن يحصل المواطن على مكأفاة من التصويت تفوق التكاليف، وبالتالي سيشارك في الانتخابات.

إذن عند تحليل هذه المعادلة نقول إن ذهب المواطن، وقد ذهب إلى عدة انتخابات سابقة، ماذا حصل من مكافأة نتيجة هذا الإقبال؟ لم يحصل على أي مكافأة مادية أو معنوية بل شعر بخيبة كبيرة وندم؛ لأنه صوَّت لأشخاص لم يشعروا بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم. وعندما أعطى صوته لم يحصل على فائدة من فوز مرشحه بل كانت الفوائد لهم ولعوائلهم وتم إهمال المواطن وتركه لوحده يعاني. في عدة انتخابات سابقة كان الفرد العراقي يهتم لمعرفة لمن يمنح صوته لتطلعه لمستقبل أفضل له ولأبنائه ولطموحه بالتغيير والإصلاح، ولكنه أدرك وبعد 18 سنة أن صوته مُنح لأشخاص انتهازيين غير مُصلحين عديمي الفائدة. كانت تكلفة منح أصواتهم كبيرة؛ فقد قامت العديد من المظاهرات خلال الـ18 سنة الماضية، قدمَ المواطن خلالها دماء شابة وإزاحة جيلية لفئات كفؤة لا تعوض. لم يشعر الفرد العراقي بعد تصويته السابق برضا نفسي بل شعر بخيبة وخذلان حيث إن تكاليف تصويته كانت اكبر من المكافآت التي لم يحصل عليها أصلًا.

قدم كوت وكونلين (2004) نموذجًا اقتصاديًّا أكثر سعة من النوع الداونسي وهو:

احتمال التصويت=(الدافع للتصويت ×القدرة على التصويت)/صعوبة التصويت

وهذا يعني كلما زاد الدافع أو القدرة على التصويت زادت احتمالية مشاركة الفرد في يوم الانتخابات. وكلما كان التصويت أكثر صعوبة قل احتمال تصويت الفرد.

لكن من الخطأ الاعتماد على عامل واحد فقط في تفسير مشاركة الفرد، خاصة عندما تكون تجارب الدول محكومة بعوامل إقليمية وقوى داخلية وخارجية وساسة لا يهمهم سوى مصالحهم، مما يعني حتى إن كان دافع الفرد أو القدرة عالية ولا توجد صعوبة هذا لا يعني سهولة الإقبال على التصويت.

أن إستراتيجية مقاطعة الانتخابات هي إستراتيجية مهيمنة، وأن معظم جماعات المعارضة التي استخدمتها قد فشلت وتبرعت بالساحة للجماعة الحاكمة. إستراتيجية نتيجتها في معظم الحالات هي فشل أو انتحار سياسي وأقل عواقب محتملة من قبل المعارضة. وهو الوضع الذي يكون فيه الفاعلون بعيدين عن فرض الأجواء العامة والتأثير فيها. إذن كم الوضع مخيب للآمال عند العراقيين ليقاطعوا لدورتين انتخابيتين؟

عاش العراقيون أحداثًا سياسية فريدة من نوعها فهموا بعضها وواجهوا صعوبة في فهم الأخرى، كانت أحداث قاسية عليهم تم التلاعب بهم وبمصيرهم وهذا الأمر يفضي للإقبال أو عدم المشاركة. عندما لا يفهم الفرد الأحداث أو إن يفهمها بشكل كامل كذلك فهمه لشخصية المرشحين ومدى تجاوبهم معه وقدرتهم على تحقيق منجزات له كمواطن، يحفز القدرة أو الدافع أو يثبط هذا الأمر إن حدث العكس.

فيما يخص المستويات الاقتصادية والاجتماعية المنخفضة قد تكون الصعوبة لديها ليس فقط في معرفة الأحداث والشخوص، بل في صعوبة إجراءات الانتخابات كتسجيل وصعوبة الحصول على البطاقة الانتخابية ومعرفة مكانها وقربها المادي من سكنه، ومدى توافر المعلومات عن المرشحين إن كانوا خدميين أم لا.

هناك عدة عوامل كان لها التأثير في المشاركة أو المقاطعة في الانتخابات للفرد العراقي:

التحيزات الداخلية

هناك دراسات تدعم الاعتقاد بأن الناس يصوتون على أساس المصلحة الذاتية أو الصالح الجماعي «العقلانية الجماعية». يعتقد البعض الآخر أن السلوك الانتخابي، وكذلك اتخاذ القرار، بشكل عام، يعتمد على العاطفة. يصوت الناس لشخص يتوافق مع تصورهم لأنفسهم.

يفترض النموذج الاقتصادي للعقلانية أن الأفراد هم بشر عقلانيون يتخذون الخيارات بناءً على تحليل التكلفة والعائد. يقترح مؤيدو النموذج العقلاني أن يصوت الناس من خلال تقييم إيجابيات وسلبيات كل مرشح أو حزب سياسي. وهم يجادلون: «يقرر الناخبون ما إذا كانوا سيصوتون وكيف سيصوتون، بناءً على تعظيم فائدة متوقعة بشروط أنانية واجتماعية». قد يصوتون لصالح الشخص أو الحزب بناءً على توقعاتهم لأدائهم في قضايا رئيسية مثل النمو الاقتصادي ونقص الفساد.

يفترض أن الأفراد لديهم قدر هائل من المعرفة والوصول إلى المعلومات في المجالات ذات الصلة قبل اتخاذ القرار. ردًا على ذلك، طرح هيربرت سيمون (1955)، حائز جائزة نوبل، الحجة القائلة بأن عقلانية البشر مقيدة بالقيود المعرفية بالإضافة إلى محدودية المعلومات والموارد قد يدفع هذا الأفراد إلى اتخاذ قرارات مبكرة بناءً على تحيزاتهم الداخلية أو ثقافتهم أو تفضيلاتهم الأيديولوجية.

التحيزات الضمنية مقابل تحليل السياسات

يقدم بريان كابلان (2007)، في عمله البارز «أسطورة الناخب العقلاني: لماذا تختار الديمقراطيات السياسات السيئة» وجهة نظر مثيرة للاهتمام حول قرارات التصويت غير العقلانية التي يميل العديد من المواطنين إلى اتخاذها. يقترح كابلان أن يتصرف الناخبون وفقًا لقيمهم ومعتقداتهم وتفضيلاتهم من أجل جني فوائد نفسية. ولكي تكون هذه المعتقدات صحيحة، قد يحتاج المواطنون إلى درجة معينة من المعرفة والخبرة في مجالات السياسة. على سبيل المثال، قد يؤمن كثير من الناس بسياسات الحماية ويصوتون لها، حتى لو أشار العديد من الخبراء في الاقتصاد إلى أن التجارة الحرة تحقق أكبر قدر من الفوائد.

وجهة نظر مماثلة يدعمها جون كروزنتيك، عالم النفس والأستاذ في جامعة ستانفورد يقترح أنه من الصعب التصويت بعقلانية. لمرة واحدة، يجب أن يتمتع المرء بمستوى معين من التعليم من أجل الفهم الكامل لمزايا وعيوب التصويت لصالح سياسة أو أخرى. على المرء أن يعرف كيف يجب أن تعمل الحكومة، وحتى ذلك الحين، لا يكون المرء واثقًا من أن الوعود ستتحقق.

الثقة

الأشخاص الذين يثقون بالآخرين أكثر عرضة للتصويت. ربما يعتقد الأشخاص الذين لا يثقون في النظام السياسي ورموزه ويرون أنه نظام فاسد مما قد يستنزف دافعهم للمشاركة. وهذا ما حصل في الانتخابات الحالية والسابقة لدورتين انتخابيتين يُقاطع العراقيون انتخاباتهم لإدراكهم أن أصواتهم تذهب لأشخاص لا يقدمون أي تغييرات تُذكر في حياة ناخبيهم. لكن المستويات المنخفضة من الثقة الشخصية قد تؤدي في بعض الأحيان إلى زيادة الاقبال إذا كان الافتقار إلى الثقة يحفز الناس على اتخاذ إجراءات أملًا منها بتقليل الضرر الذي يخشون إن يلحق بهم.

قوة تفضيل المرشح

كلما زادت الفجوة بين موقف الشخص تجاه أحد المرشحين وموقفه تجاه المرشح المنافس زادت احتمالية تصويت الشخص. مع ذلك قد تكون الفجوة أقل أهمية إذا كان المواطن يكره كلا المرشحين أو أحدهما.

التشابه في التفضيلات السياسية

كلما كان المرشحون المتنافسون متشابهين في مفاهيمهم وأساليبهم وهزالة برامجهم الانتخابية وعدم قدرتهم على خلق التغيير، قل احتمال تصويت المواطنين لهم. لأن النتائج لن تختلف كثيرًا في تقديم المنفعة. وهذا ما حصل في الانتخابات العراقية الأخيرة كثرت صور المرشحين ببدلاتهم الأنيقة ولكن كانت برامجهم عديمة الفائدة وشحيحة ومتشابهة.

الدعاية السلبية

افترضت النظريات تأثيرات معاكسة للإعلان السلبي على المشاركة في الانتخابات. تنتقد الإعلانات والبرامج سلبيًّا بعض المرشحين بينما تشيد بخصمه. تؤكد إحدى النظريات أن الحملات السلبية تشجع على السخرية واللامبالاة بين المواطنين خاصة عند إظهار هؤلاء المرشحين كشخصيات مهزوزة ضعيفة نفعية مما يؤدي إلى قلة حظوظهم في التصويت. يرى منظور آخر بدلًا من ذلك أن الإعلانات السلبية تعزز المواقف تجاه المرشحين سواء كانت سلبية أو إيجابية، وتخلق اهتمامًا أكبر بالحملة. ودليلًا على ذلك ما قدمه برنامج «البشير شو» والكثير من البرامج الساخرة الأخرى على الوضع في العراق وتطرقه إلى عدد من المرشحين وإجراء استفتاء لقبولهم أو رفضهم وعدد المشاهدين لتلك البرامج ونسبة المشاهدة الكبيرة لها، أدت إلى تقليل حظوظ هؤلاء المرشحين في الانتخابات.

أكد خط ثالث من التفكير النظري أن هذه الإعلانات لا تؤثر بشكل عام في نسبة المشاركة لأنها تقلل نسبة المشاركة عند البعض وتحفزها عند البعض الآخر. قد يميز الناس بين المعلومات السلبية المقدمة بطريقة معقولة والمعلومات السلبية المقدمة على أنها تشويه، فالأولى قد تزيد الإقبال في حين أن الثانية تُقلل المشاركة.

مرشح غير تقليدي

لسنوات مضت والعراقيون يبحثون عن شخصية غير تقليدية وطنية ذات زعامة قوية، لا تُشترى ولا تباع تحقق طموحات شعبها، يلتف حولها الجمهور بكافة أطيافه، لكنه كان يُصدم دائمًا من الفجوة التي تحصل بينه وبين هذه الشخوص بعد الفوز بالانتخابات.

وهنا نقول قاطع أغلب العراقيون الانتخابات لأنهم لم يجدوا شخصية ملبية لطموحاتهم غير تقليدية، تمتلك برنامجًا انتخابيًّا قابلًا للتنفيذ، لها مصداقية في الداخل والخارج، قادرة على الخروج من مشاكل العراق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المزمنة.

العواطف والانحياز للسلبية

المشاعر الإيجابية منها والسلبية، ضرورية لفهم السلوك، لا سيما سلوك التصويت. لقد اعتدنا على رؤية «الجهاز الحُوفِي أو الطرفي limbic system » للدماغ كنظامين فرعيين يولدان مشاعر مختلفة. أحدهما يولد مشاعر إيجابية تشمل الإثارة والحماسة، بينما الآخر يولد مشاعر سلبية تشمل القلق والخوف.

يشير درو ويستن (2008)، في عمله الرائد «الدماغ السياسي: دور العواطف في تقرير مصير الأمة» إلى أنه لا ينبغي النظر إلى العقل السياسي على أنه نظامان منفصلان، بل على أنه شبكة من (الخلايا العصبية والتجمعات، المشاعر والصور والأفكار)». كما أنه يقر بفكرة أن العواطف تلعب دورًا مهمًّا في الانتخابات وأن للعقلانية دورًا داعمًا فقط.

ومع ذلك، ليست كل المشاعر متساوية من حيث التأثير. المشاعر السلبية لها تأثير أكبر بكثير في الدماغ مقارنة بالعواطف الإيجابية. يقترح ويستن أنه «إذا كنت تحاول إقناع الناس بتغيير المسار، فعليك عمومًا إثارة مشاعر مثل القلق أو الغضب». تُعرف فكرة أن المشاعر السلبية أقوى على نطاق واسع باسم «التحيز السلبي». في حين أن الحماسة تؤدي إلى مزيد من المشاركة السياسية والمشاركة في الأحداث الحزبية، فإن المشاعر السلبية تزيد من الانتباه وردود الفعل العاطفية. يبدأ الأفراد في الاهتمام بجدية عندما تكون هناك علامات تهديد ومشاكل في السياسة. كما يقترحون أن العديد من الشخصيات السياسية تحاول إثارة الخوف في أذهان الناخبين من أجل تعبئة الجماعات لدعم فرد أو قضية معينة.

من بين العديد من تفسيرات الخبراء الأخرى حول هذه المسألة، قد يكون القلق والخوف أحد الأسباب التي تؤدي إلى التحول الكبير.

التعود

التصويت والمشاركة هي سلوك معتاد، مما يعني أن التصويت مرة واحدة يزيد من احتمال تكرار تلك المرة، وهناك عدة أسباب لذلك:

– لم يشعر العراقيون عندما صوتوا سابقًا بأي مكافأة اجتماعية أو نفسية بعد التصويت، لذا لم يحصل له تعزيز ذاتي للإقبال على انتخابات لاحقة.

– إن القوى الاجتماعية والنفسية التي شعر بها المواطن في تصويته السابق لم تعزز لديه قرارًا بالتصويت المستقبلي.

– عندما فشل في تحقيق مراده في الانتخابات السابقة لم تحصل جهود تعبئة للانتخابات اللاحقة.

الفعالية السياسية

عندما يتمتع المواطنون بإحساس كبير بالفعالية السياسية لأن بها منفعة وتغيير سيحضرون للانتخابات. الفعالية الداخلية «الإيمان بقدرة الفرد على الفهم والمشاركة في السياسة»، والفعالية الخارجية «الإيمان باستجابة المؤسسات السياسية لمشاركة المواطنين». عندما يقل الإيمان بتلك الفعاليات لن يكون لدى المواطن دافع للتصويت.

المشاركة في المنظمات المدنية والحزبية

كلما كان المواطن مهتمًّا بالانخراط بالعمل التطوعي، زاد اهتمامه بحث الناس على التعاون وزيادة المهارات المدنية للناس، ويكون التصويت لدى هؤلاء أكثر جاذبية. أما عندما لا تكون منتميًا وليس لديك إحساس بالواجب الوطني لإدراكك أن المشاركة من عدمها لن تغير شيئًا سيؤدي ذلك إلى المقاطعة.

مشاركة وتأثير الدول الإقليمية

 فهمت الدول المجاورة للعراق أمرًا بالغ الأهمية ليس شرطًا أن تتوسل لتأخذ مناقصة أو عقدًا أو تعقد اتفاقية، بل تقوم بشراء منصب لعدد من النواب أو الوزراء أو المديرين العامين لتؤثر في القرار العراقي بما لا ينفع الفرد والدولة العراقية. من هنا أدرك المواطن أن لا تغيير سيطرأ في حياته، لأن الفساد قد نخر كافة مؤسسات الدولة فتبدأ مقاطعته للانتخابات لكي لا يساهم في تأكيد هذه الأدوار.

التمييز حسب المذهب والمكون

 مما أدى إلى عدم المشاركة في الانتخابات هو توزيع المناصب والمكاسب والمنافع والامتيازات والمواقع الحكومية والوظائف العليا والدنيا في الداخل والخارج، حسب المذاهب السنية والشيعية والمكونات الكردية والأقليات، بغض النظر عن الكفاءة والقدرة والقيادة والانتماء وحب الوطن، والقدرة على اتخاذ القرار ومواجهة الأزمات. كل مراكز الوزراء والسفراء والمديرين موزعة بين هذه المذاهب وعوائلها ومكوناتها حسب وجودهم في كل حزب ينتمون إليه ويقوم بتزكيتهم.

التعليم

المواطنون الحاصلون على تعليم رسمي هم اكثر عرضة للتصويت، كل عام إضافي من التعليم يرتبط بارتفاع نسبة المشاركة. كلما زاد التحصيل العلمي للشخص عن مستوى الأشخاص في الحي الذي يعيش فيه زادت احتمالية قيامه بالتصويت، وكلما زاد التحصيل العلمي للشخص عن مستوى التحصيل العلمي للآخرين في فئته العمرية زادت احتمالية قيامه بالتصويت، هذا ما يحصل في الأوضاع الطبيعية، أما عندما يشعر هذا المتعلم بأن صوته يُسرق وأن هناك ندرة في المرشحين الأكفاء فإن الأمر يأخذ منحى آخر. أعداد كبيرة من مثقفي ومتعلمي العراق لم تذهب لتستلم البطاقة الانتخابية، فقد أقدمت على معاقبة مرشحيها غير المرغوبين.

الدخل

يُصوت الأشخاص الأكثر ثراء بمعدلات اعلى. ومن المثير للاهتمام أنه عندما تتراجع صحة الاقتصاد الوطني فإن المواطنين الأكثر تضررًا هم الأكثر احتمالية لإظهار انخفاض المشاركة. ربما يدرك الأثرياء أن لديهم مصلحة أكبر من الانتخابات. يتحمل الأشخاص ذوو الدخل المرتفع تكاليف أكبر لقضاء الوقت في السياسة والتصويت. لأنهم يكسبون مكافآت نفسية واجتماعية ومادية أكبر من التصويت.

الإجبار من قبل السلطة تحت عدة عناوين

إن الموظفين الحكوميين وأفراد الجيش، والقوى الأمنية يحضرون بمعدلات عالية للتصويت قد يكون هذا لأن لديهم مصلحة في الحفاظ على رواتبهم ووظائفهم حسب طبيعة السلطة والحزب المتحكم في تلك الانتخابات.

العمر

يبدو أن الناس تزداد احتمالية تصويتهم مع تقدمهم من مرحلة البلوغ المبكرة حتى مرحلة منتصف البلوغ. وتقل احتمالية التصويت بعد سن 75. ممكن أن تكون الاختلافات بين الفئات العمرية في معدلات الاقبال ناتجة من تأثيرات الأحداث التاريخية التي مر بها جيل معين من الناس في عمر معين، وشكل عندهم ذلك بقية حياتهم، على سبيل المثال إن حصل وتم تزييف الانتخابات أو الإجبار عليها في سن مبكرة سيستمر عدم التصويت لبقية مراحل الحياة. «هناك تأثير الفترة» الذي يحصل عندما تحدث أحداث تاريخية تؤثر في جميع المواطنين وليس نتيجة لآثار الشيخوخة. مع ذلك لا يزال يبدو أن زيادة العمر مرتبطة بزيادة الإقبال، حتى وقت متأخر من الحياة. ربما يكون المواطنون الأكبر سنًّا أكثر استقرارًا في مجتمعاتهم الديمقراطية المستقرة وليس في مجتمعاتنا التي تفتقر لكل ما يلبي حاجة الفرد الكبير بالسن، قد يصوت الكبير بالسن لأنه يرى أن أعضاء فئته العمرية أكثر عرضة للخطر اقتصاديًّا في نتائج الانتخابات. قد يؤدي التقدم بالسن إلى خفض تكاليف المعلومات الخاصة بالتصويت لأن الناس يصبحون أكثر دراية بالأحزاب السياسية والعملية السياسية من خلال مشاهدتهم لكل تلك الأحداث لسنوات عديدة في مراحلهم العمرية المبكرة.

الجنس ذكر وأنثى

منذ بداية منح المرأة حق التصويت بدأت النساء تصوت بمعدلات متساوية مع الرجال إن لم تكن أعلى، ما حصل في الانتخابات الأخيرة كانت نسبة مقاطعة النساء أكبر من الرجال، فقد خلت مراكز الاقتراع من وجود العنصرين، وفاق غياب النساء عدد الذكور، أما لماذا فأسبابه كثيرة مع معظم ما تم ذكره من عوامل سابقة، واجهت النساء في العراق وافتقرت إلى حقها في الكثير من القوانين، كان آخر ما تم ظلم المرأة فيه هو حق حضانة الطفل بعد الطلاق وزواج القاصرات، كذلك العنف الموجه لها من المجتمع، وعدم وجود أو الجدية في تطبيق قوانين تحميها وتصون كرامتها. تراجع العراق كثيرًا في ملف حقوق الإنسان، وكانت المرأة والطفل الأكثر تضررًا من ذلك.

الهوية الاجتماعية: مفهوم «الآخر» في سلوك التصويت

 في عام 1979، قدم هنري تاجفيل وجون تيرنر نظرية الهوية الاجتماعية التي تعد أكبر مساهمة لهما في علم النفس. جادل تاجفيل بأن الهوية الاجتماعية هي شعور الفرد بالانتماء إلى مجموعة أو مجتمع معين. هذه المجموعات هي مصادر هائلة للفخر واحترام الذات، ولهذا السبب يميل الناس إلى زيادة صورتهم الذاتية من خلال التمييز بين «الآخرين» الذين ليسوا جزءًا من ذلك المجموع. هناك عدة عيوب عند تطبيق نظرية الهوية الاجتماعية إلى أن النظرية لا تفسر الاختلافات في تعريف الهوية. على سبيل المثال، امتلاك هوية عراقية لا يعني الشيء نفسه لكل فرد. بالإضافة إلى ذلك، فإن الهويات الاجتماعية ليست مضللة للغاية كما جادل تيرنر، لكنها تميل إلى الاستمرار مع مرور الوقت.

وضع ستيفن جرين (1999)، الأستاذ في جامعة ولاية كارولينا الشمالية، نظرية الهوية الاجتماعية لتاجفيل في مفهوم تحديد هوية الحزب المقترح في The American Voter. يبرز نظرية الهوية الاجتماعية القائلة بأن العضوية المدركة للذات في المجموعات الاجتماعية تؤثر في المواقف والتصورات. يرى الناس اختلافات أكبر مما هي عليه في الواقع بين مجموعة داخل المجموعة وخارجها ويظهرون تفضيلًا أكبر للمجموعة داخل المجموعة. يشير غرين إلى أن هذه التعريفات الاجتماعية ليست حقيقية ولكنها مدركة لذاتها فقط.

 تقترح الدراسات التالية مسارًا مختلفًا في هذا الشأن. يقر إريك ديكسون، الأستاذ بجامعة نيويورك، وكينيث شيف، الأستاذ بجامعة ييل، بدور الهوية الاجتماعية في السلوك الانتخابي لكنهم يخطون خطوة إلى الأمام لتحليل كيفية تأثير ذلك في حملات الأحزاب السياسية والمرشحين. يحاولون الإجابة عن السؤال: «لماذا يقوم المرشحون في الانتخابات الديمقراطية أحيانًا بتوجيه نداءات حملتهم للهويات الاجتماعية للناخبين؟» لذلك، فإن دور الهوية الاجتماعية في السلوك الانتخابي معترف به أيضًا من قبل الأحزاب السياسية والمرشحين. وهذا واضح في خطاباتهم السياسية وحملاتهم الانتخابية. حتى إن هناك حالات يستخدم فيها بعض السياسيين خطاب الهوية للتعويض عن «الركود» في سياساتهم.

بعد طرح كل العوامل السابقة نود الإشارة إلى إن الملاحظ في كل الانتخابات السابقة تفوز قائمة ويتم مشاركة الجميع في تولي المناصب وتوزيع الكعكة، أو أن تكون هناك نسبة مشاركة قليلة أو معدومة ويتم جعل النسبة مقبولة، والملاحظ أيضًا أنه بالرغم من فشل مجلس النواب في إدارة الدولة العراقية لم يتم تعديل عدد أعضائه أو العمل على الجودة في الاختيار أو محاسبة أي عضو فاسد فيهم، كذلك إن عمر المشارك وثقافته ومستواه التعليمي لم يؤخذ بالاعتبار، فقد تم اكتشاف زيف الكثير من النواب والرؤساء في مستواهم التحصيلي، ويلاحظ أيضًا مدى محاربة الشعب العراقي في إيجاد قانون انتخابي يسمح بمشاركة الجميع غير تلك التي مسكت العراق لمدة 18 سنة، بل هناك اقتتال في كل دورة انتخابية على إيجاد صيغة مناسبة ولم تخرج تلك الصيغة الا بعد أن حصلت المظاهرات وقتل الشباب فيها.

أي دولة وأي حكومة تعمل بالضد من طموحات شعبها ماذا ستقدم له إذن من إنجازات؟ وهذا ما حصل في الانتخابات المبكرة التي حدثت بعد أن قام شباب تشرين بمواجهة حاسمة لغرض التغيير والمطالبة بالحقوق وتم مواجهتهم بالرصاص الحي وقتل إثر ذلك 700 شاب، ولإسكاتهم تم وعدهم بتغيير في الانتخابات وتم إجراء هذه الانتخابات ليتفاجأ الجميع بقلة مشاركة أو مقاطعة ثانية يقول فيها الشعب إنه ملَّ من كل المهازل التي حصلت بحقه، وإنه فهم اللعبة التي يلعبها الجميع ضده بعد أن فقد أ،مله في الإصلاح من هذه العملية وقرر المقاطعة وعدم المشاركة في هذه اللعبة المعروفة نتائجها مقدمًا. فما النتيجة تغيير في بعض الوجوه وإزالة بعض الوجوه القديمة وإضافة وجوه جديدة لتتماهى مع الوجوه القديمة ولا يحصل أي تغيير فأعلى المناصب والمراكز الداخلية والخارجية لهم ولأبنائهم لا يوجد توزيع عادل للثروة فقد عم الفقر والجهل وانتشرت البطالة والمخدرات في محافظات الوسط والجنوب لا توجد سياسة وتخطيط لتعيين آلاف الخريجين وزجهم لممارسة تخصصاتهم إلا بواسطة أو مقابل مالي، لم يشعر الشعب بأنه ينعم ثروات بلده، بل يتم توزع خيرات البلد بين السلطة الحاكمة وبين الدول المجاورة. ونتيجة الانتخابات لا يمكن تشكيل حكومة دون توافق، أي يجب أن يتشارك الجميع من الشيعة والسنة والكرد بغض النظر عن فوزهم أو خسارتهم، وإلا ستعم الفوضى أو أننا سنواجه انسدادًا سياسيًّا أو أننا سندخل النفق المظلم كما يقولون، إذن ما الذي استفاده الشباب الذي خرج وسعى من هذه الانتخابات المبكرة؟

 تبدو نتائج الانتخابات العراقية المبكرة 2021 للوهلة الأولى أن هناك رابحًا وبدرجة كبيرة وهناك خاسر وبدرجة كبيرة، إذن للوهلة الأولى كان هناك توجه لإحداث تغيير ولكن بطريقة سلمية، أي عن طريق الانتخابات دون أن تتدخل قوى أو سلاح أي ليس كما حصل في 2003 إذن كيف حصل الرضا ومن سعى لتظهر النتائج هكذا رغم عدم المشاركة أو المقاطعة من قبل الجمهور ؟ومن ثم إن كان هناك اتفاق مسبق أن تكون النتائج هكذا أي فوز جهة داخلية لها جمهور ملتزم وفوز جهة اشتعلت تظاهرات مستمرة وطالبت على الدوام بالتغيير للنظام ككل وخسارة جهات أخرى، كذلك خروج الكثير من الوجوه القديمة التي تمتلك التمويل والجمهور «نقصد عشائرها ومستفاديها» إن كان هناك مسعى للتغيير سلميًّا دون حرب لماذا تم انسحاب أغلب الجهات التي طالبت بالتغيير، وكانت وجوهها وقادتها تدعي أنها مع تشرين أو مع التغيير؟ ومنهم رئيس الوزراء نفسه وكل هؤلاء كان لهم أهداف وشخوص وربما مقبولية لإحداث التغيير الذي تحدثوا وأصروا عليه منذ البدايات، هذا جانب، الجانب الآخر عندما ترى النتائج وترى التوافقات تجد أن لا جديد سيحصل، أي إن كل ما تم الاتفاق عليه مع الجمهور رغم التضحيات التي قدمها لم تتحقق، ماذا يعني حصول بعض التيارات المستقلة على عدد من المقاعد؟ هل ستغير المصير الأسود الذي يعيشه العراقيون؟ وماذا إن رجع رئيس البرلمان مرة ثانية ماذا قدم في الدورة السابقة التي إن عقد جلسة يعقدها ليلًا؟ماذا أنجز؟ وكم جلسة عقد؟ وما التغييرات التي أضافها في فترة توليه هذا المنصب؟فلم يكن رئيسًا لبرلمان العراق إنما عمل على أن يكون محافظًا لمحافظة واحدة، وسيكون رئيس الدولة أحد الأكراد المخضرمين لا عمل له سوى كونه منصبًا تشريفيًّا يستلم فيه راتبًا وميزانية وحمايات تكلف الدولة المليارات. وما زالت الامتيازات الخيالية نفسها سيستلمها الأعضاء 329 من أعضاء مجلس النواب الجديد. إذن ما هو التغيير الذي حصل من هذه الانتخابات المبكرة غير خسارة لمليارات صُرفت ببذخ على المرشحين ومفوضية أدت المهمة، وصور عُلقت ورجعنا إلى اللعبة نفسها والأدوار الهشة لقيادة العراق وتمزيقه، سيبقى التأثير نفسه على ان لا يكون القرار المتخذ عراقيًّا، أو أن يبقى القرار المتخذ ضعيفًا هشًّا غي

الثلاثاء، 2 فبراير 2021

الابتزاز العاطفي(ذئاب في ثياب الحملان)الجزء ١

 

الابتزاز العاطفي.. ذئاب في ثياب الحملان ج(1)

الدكتورة مريم خلف
15:48 29 يناير, 2021

عندما يستخدم الأشخاص الموجودون في حياتنا (الخوف والواجب والذنب) للتلاعب بنا..

هل جربت أو مررت بخبرة أن تقدم كل ما تستطيع لشخص ما (قريب منك) مع ذلك لم ينته الأمر نهاية جيدة؟ بدلًا من ذلك شعرت بالذنب والخزي والخوف وأنك شخص غير مخلص؟ هل ابتزك أقرب الناس اليك؟ دعنا نفكر ونحلل ذلك سويًا.

في مقابلة مع عالم النفس الإكلينكي الدكتور (جورج سايمون) الخبير المعترف به دوليًا في أمور التلاعب واضطراب الشخصية والمؤلف للكتاب الأكثر مبيعًا (في ثياب الحملان).

يقول سايمون: كنت أتعامل مع عدد هائل من الأشخاص في ممارستي كطبيب نفساني إكلينكي، كان أغلب الذين يترددون إلى عيادتي هم مما يعرف سابقًا (بمتلازمة الألغاز). لم يكن لدينا اسم لها حينها وكان هؤلاء الأشخاص مكتئبون في أغلب الأحيان وفي حيرة من أمرهم وتظهر عليهم علامات النجاة من الصدمة، شعروا بالجنون لكنهم لم يتمكنوا من تحديد السبب. مع ذلك كان هناك دائمًا شخص ما في حياتهم يعرفونه ويذكرون إن هناك شيئًا خاطئًا بخصوصه، لكن هذا الشخص جعلهم يعتقدون أنهم مجانين أو الاشتباه في ذلك، مما جعلهم مرتبكين وغاضبين ومكتئبين. يُكمل (سايمون) عندما تعرفت على هؤلاء وقصصهم أصبح من الواضح أنهم كانوا يتعاملون مع بعض المبتزين المتلاعبين النموذجيين. أولئك الناس الذين هم ذئاب يضرب بهم المثل في ثياب الحملان، هؤلاء هم الأشخاص الذين خرجوا للفوز والسيطرة والذين يعرفون أيضا كيف يظهرون ذلك بشكل جيد ويقومون بذلك بشكل جيد. وكيف يخفون عدوانهم باستخدام تكتيكات خفية لتجعلك تشعر بأنك الشخص السيئ بسبب وجود مشكلة معهم. وهكذا وبعد التعامل مع عدد كبير من هؤلاء الأشخاص وسماع الكثير من القصص وإجراء الكثير من البحوث والدراسات ولسنوات قررت أن أكتب كتاب (في ثياب الحملان) ولا يزال هذا الكتاب وبعد 22 عامًا هو الكتاب الأكثر مبيعًا.

إذًا ما هو سلوك التلاعب أو الابتزاز وتعريفه؟

الابتزاز هو شكل من أشكال التلاعب يهدد به الأشخاص المقربون منا بالاقتصاص منا ما لم نفعل لهم ما يريدون، حيث يعلم المبتزون مدى اعتزازنا بعلاقاتنا معهم، كما أنهم يعرفون نقاط ضعفنا وأسرارنا الدفينة. المبتزون والمتلاعبون قد يكونون آباءنا، شركاؤنا أو رؤساء عملنا أو زملاؤنا أو أصدقاؤنا أو أحبابنا. وبغض النظر عن مدى اكتراثهم بنا، فهم يستخدمون هذه المعرفة الحميمية لكي نستجيب لهم. حيث يهدد المبتزون المقربون منا بطريقة مباشرة غير مباشرة بالاقتصاص منا إن لم نفعل لهم ما يريدون، لأنهم يعلمون بأننا بحاجة إلى الحب أو الاستحسان، حيث يعمد المبتزون إلى التهديد بمنع الحب أو سلبه تمامًا أو جعلنا نشعر بوجوب اكتسابه.

أكثر أنواع التلاعب شيوعًا هو العدوان الخفي أو المستتر ،يكون الشخص خارجًا للسيطرة عليك والتحكم بك ولديه طريقة للتعامل معك للتأكد من أنك تخضع لإرادته ويقوم بذلك بطريقة يصعب عليك رؤيتها، بعبارة أخرى إذا كانوا صريحين فانهم قد يقولون لك (هذا طريقنا أو الطريق الصحيح والسريع) وقد تقوم أنت ببعض المقاومة ولكن أغلبهم متسترون أذكياء يستخدمون تكتيكاتهم، وكأنها سحر ويعرفون كيف يستخدمون عواطفك وخاصة ضميرك ليقودك إلى طريقة تفكيرهم، وهذا الأسلوب الخفي هو القتال معك بطريقة يصعب رؤيتها وفعالة للغاية. وهذا هو قلب وروح السلوك التلاعبي. أنه (اللعب على عواطفك وتعاطفك وخاصة ضميرك) ليشق طريقه معك، إنها استراتيجية عدوانية خفية تستخدم في العلاقات وهي مدمرة للغاية.

يخلق المبتزون (ضبابًا كثيفًا) يغشون به أعمالهم، يراد بذلك الضباب الإشارة إلى الخوف والالتزام والذنب، يضع المبتزون ضبابًا يحيط بعلاقاتهم، ضامنين بأننا نشعر بالخوف من اجتيازه ونشعر بأننا ملزمين للإيفاء بما يرغبون ونشعر بذنب كبير إذا لم نقم بذلك.

يتكون الابتزاز من أمرين: حيث إنه صفقة، فبعد الوضوح يأتي التغير. من السهل التركيز على سلوك الأشخاص الآخرين والتفكير بأنه لو تغير ستكون الأمور على ما يرام. يجب أن يبدأ التغيير في هدف الابتزاز (الشخص الذي يتم ابتزازه) فانصياعنا وإذعاننا يرضي المبتزين في كل مرة نُرضي بها أحدًا لعمل معين. سواء أدركنا ذلك أم لا نحن نسمح له بأشد لهجة ممكنه لأن يفعل ما فعله مرة أخرى. والثمن الذي ندفعه لقاء استسلامنا المتكرر للابتزاز العاطفي هو ثمن باهظ، فهو يدمرنا ويأخذ بالتفاقم إلى درجة أنه يضع أهم علاقاتنا بالإضافة إلى مفهومنا الشامل لاحترام الذات في مهب الريح.

يُمكن التلاعب مع الأفراد والتحكم بهم من خلال السيطرة عليهم عن طريق الإرهاب، إنه ليس أكثر أشياء التلاعب شيوعًا، ولكن هناك العديد من الطرق للتحكم في الأشخاص من خلال الخوف. هناك الكثير من الدراسات حول هذا الموضوع والأكثر شهرة هو (متلازمة ستوكهولم) مشاعر الثقة أو المودة التي تشعر بها الضحية في كثير من حالات الاختطاف أو أخذ الرهائن أو الأسر، حيث بعد تجربة الرعب الشديد، تبدأ الضحية في التعرف على المعتدي والقبول به.

هناك العديد من الطرق للسيطرة على الناس وممكن القيام بها بشكل علني، ولكن الطريقة الأكثر شيوعا والأكثر ذكاء والأكثر فعالية، هي إبقاء عدوانك متخفيًا إلى حد ما. وضرب الأفراد بشكل أساسي بأسلحة (الذنب والعار ولعب دور الضحية وجعل الشخص الآخر هو الضحية) هذه كلها تكتيكات صغيرة ذكية لجعل الشخص الآخر يتكيف مع طريقة تفكيرك والقيام بكل ما تريده ويعرف المتلاعبون الجيدون كيفية استخدام هذه التكتيكات جيدًا.

ولكن ألسنا جميعًا متلاعبين إلى حد ما؟

نعم جميعنا متلاعبون إلى حد ما، وللأسف فنحن نوع من المخلوقات العدوانية نعيش في عالم غير ودود يتعين علينا بذل قصارى جهدنا للبقاء والازدهار ونحن في منافسة مع بعضنا البعض. ونحاول جميعًا أن نحقق طريقتنا الخاصة، أي أننا لسنا لطفاء دائمًا مع بعضنا البعض، نحن نقاتل أكثر مما نفعل أي شيء آخر في كل أمور حياتنا في سياستنا وأمورنا وأعمالنا وشؤوننا الاجتماعية، القتال موجود في كل ما نقوم به تقريبًا والطريقة التي ندير بها تلك المعركة هي ما يحدد شخصيتنا.

عندما نكافح بشكل عادل من أجل شيء عادل، عندما لا يتعلق الأمر بنا حقًا ولكن يتعلق بمبدأ صحيح ما، عندما نكافح مع مراعاة مشاعر ورفاهية شخص آخر، عندما نحترم حقوقًا وحدودًا معينة، فإن ذلك من حيث التعريف (سلوك حازم) وعلينا جميعًا أن نكون حازمين، لأن هناك بعض الأشياء في هذه الحياة يجب أن نكافح من أجلها. ولكن عندما يتعلق الأمر بنا وعندما نفعل كل ما يتعين علينا القيام به لنصل إلى طريقنا، عندما لا نتحلى بأي شيء عن إيذاء الناس في هذه العملية، ويكون هناك القليل جدًا من الفائدة باستثناء الحصول على ما نريد، إذا نكون عدوانين بدلًا من حازمين وعندما نفعل ذلك الخفاء وببراعة يكون ذلك تلاعبًا ويكون مدمرًا في العلاقة.

يطلعنا المقتصون على ما يريدونه بالضبط أما العواقب التي سنواجهها ما لم نعطهم إياه هي الأكثر وضوحًا وقد يعبرون عن أنفسهم بطريقة عدوانية أو قد يغوصون في صمت ينم عن غضب. ولكن في كلتا الحالتين يوجه الغضب نحونا دائمًا بطريقة مباشرة. وكلما توطدت العلاقة زادت المخاطر وأصبحنا أكثر ضعفًا تجاه المقتصين. وحين يتفاقم الابتزاز قد تصبح العواقب المنبه عليها إنذارًا بالخطر. كالهجر أو الانقطاع العاطفي أو سحب الأموال أو الموارد الأخرى أو انفجار الغضب الموجه نحونا. وإذا ما وصل الأمر إلى أشده قد يتم التهديد بإنزال الأذى الجسدي.

من يقع عليه سلوك التلاعب؟

لا نستطيع التلاعب بكل الأشخاص فقط أولئك الذين يمتلكون ضميرًا حساسًا كبيرًا جدًا وشعورًا بالذنب والعار لكي تنفع معهم هذه التكتيكات مثال: لو حاولنا التلاعب مع شخص نرجسي للغاية وليس لديه ضمير لو حاولنا فقط إقناعه بفعل شيء ما سنكتشف في وقت قصير أنه لا يعمل ما نطلب منه لأنه لا يمتلك القدرة على الشعور بالذنب وليس لديه الضمير الضروري. ولكن هؤلاء هم الأشخاص الذين يتمتعون بسمات نرجسية وعدوانية هائلة في شخصيتهم ولا يمانعون في ضرب شخص ما وإلحاق الأذى به بطرق مختلفة. هؤلاء هم الأشخاص الذين لا يهتمون بأي شخص أو أي شيء بخلاف احتياجاتهم الذاتية وهم على استعداد لفعل كل ما يتطلبه الأمر. هؤلاء هم أكثر الشخصيات تلاعبًا بالآخرين وضحاياهم هم من يتمتعون بصدق الضمير ويريدون فعل الصواب والذين يريدون أن يتم النظر إليهم بصورة جيدة، وهؤلاء هم من يكونون عرضة للتكتيكات التي يستخدمها هؤلاء النرجسيون لأغراض السيطرة عليهم.

من الأكثر تلاعبًا؟ النساء أم الرجال؟

قد نقول إن الرجال من النوع الأكثر عدوانية علنية والنساء من النوع العدواني السري، ولكن في التلاعب قد يكون الرجال في كثير من الأحيان (يلعبون على المشاعر) بينما (تستخدم النساء المشاعر) بعبارة أخرى يستغل الرجل مشاعر الآخرين ليتلاعب، بينما تستخدم المرأة جروحها في محاولة للتلاعب أو الحصول على السيطرة على الآخرين أو شريك العلاقة، في حين إن الرجال يلعبون بالعواطف ليشقوا طريقهم. لذلك سيرون شعور الحساسية تجاه الخزي لدى المرأة عندما لا تمنحهم ما يريدون لتشعر بعد ذلك بأنها شخص غير لطيف أو أنها شريك غير مخلص وهذا هو سلاحهم، في حين إن المرأة تستخدم جرحها وتظهر الأذى في محاولة التليين أو التأثير على شريك العلاقة، لذلك نقول إن الاختلاف الكبير في التعبير هو أن الرجال يبدو أنهم أكثر استعدادًا للعب على مشاعر النساء والاستيلاء عليها، بينما تبدو النساء أكثر عرضة لاستخدام تلك العواطف كجروح للتلاعب بغيرها.

هل النساء أكثر عرضة للعب دور الضحية كتكتيك للتلاعب؟

فيما يخص التكتيكات يبدو أنها توفر فرصًا متساوية على أساس الجنس. كلا الجنسين يلعب دور الضحية وهو أكثر الأساليب شعبية فقد تقوم بدور الضحية بنفسك والشخص الآخر أيضًا يلعب دور الضحية هذا النوع من الضربة المزدوجة، أي تكون اللكمة ضعيفة.

التلاعب عند الأطفال

متى يبدأ سلوك التلاعب بالظهور عند الأطفال؟ هل هو سلوك متأصل؟ أم أنه سلوك مكتسب يبدأ مبكرًا في الطفولة؟

ليس علينا تعليم أطفالنا القتال من أجل الأشياء التي يريدونها. ولكن الآن علينا تعزيزها، ويمكننا تزويدهم بالعديد من الرسائل في سنوات تكوينهم التي تعزز الفكرة. إننا نوع من المتوحشين بالفطرة. الحقيقة هي أن التنشئة الاجتماعية هي عملية لا أحد ولد متحضرا، لدينا طبيعة حيوانية، يمكننا أن نرتفع فوقها لكن لدينا طبيعة حيوانية فنحن نولد متوحشين ومن الطبيعي أن نحارب من أجل الأشياء التي نريدها. إذا كان للأطفال آباء أقوياء واسعو الحيلة ومبدئيون في سن مبكرة جدا فسوف يتعلم الأطفال في وقت مبكر جدًا أن أسلوب القتال المباشر لن ينقلهم إلى أي مكان.

الأطفال ضعفاء، أما الكبار فهم أقوى منهم بنواح عديدة، ليس من الجانب الجسدي فحسب، بل إنهم يعتمدون عليهم أيضًا. لذا فإن أسلوب المشاكسة لن ينجح، فالأطفال يتعلمون ومنذ وقت مبكر أن طريقة القتال الخفية باستخدام حيل صغيرة للعب على ضمير الأم والأب للتلاعب بهم هي طريقة لها نتائج جيدة بالنسبة لهم وهذا الأمر يرسل رسالة لهم بأن هذه الاستراتيجية جيدة في الاستخدام. لذا فهم يطورون هذه العادة بمرور الوقت، إلا إذا كان الآباء حكماء بما يكفي للتدخل والمساعدة في تصحيح هذه العادة.

ما هي أكثر الطرق شيوعًا لمحاولة الأطفال التلاعب بوالديهم؟

اللعب على التعاطف مثال: طفل مستبد كانت أمه شديدة الضمير ولم ترغب أبدًا في فعل الشيء الخطأ ولم ترغب في وضع طفلها في مواقف صعبة مرت هي بها سابقًا عندما كانت فتاة صغيرة، لذلك عندما يقول الطفل لأمه (أنتِ تكرهينني، أنتِ لا تهتمين بي حقًا، أنتِ لستِ بجانبي، دائمًا تنحازين للآخرين بدلاً مني) أي أنه يلعب دور الضحية ويقوم بتشويه دور الوالد وكما تعلمون فإن الآباء ذوي الضمير الحي هذا الأمر يحز في نفوسهم وكأنما قد ضغط أحدهم (زرًّا) في نفوسهم. من يريد أن ينظر له الآخرون على أنه والد سيئ، بل يحب الآباء أن ينظر لهم الآخرون كآباء محبون ومهتمون ومستجيبون، فإن استجاب الآباء للأبناء بطريقة غير صحية لكي لا ينظر لهم المجتمع بتلك الطريقة، سيتعلم الطفل أن يشق طريقه مع والده أو والدته. هنا يصبح دور الآباء معطلًا، فكيف يقود العائلة من ليس له حكمة؟! هنا يظهر تعبير أن الصغار قادوا السفينة، وكيف يدير النزلاء المنزل؟!


الجزء ٢

الابتزاز العاطفي.. ذئاب في ثياب الحملان ج(2)

الدكتورة مريم خلف
13:39 02 فبراير, 2021
هل فاقد الشيء لا يعطيه؟

إن الكثير من المتلاعبين لا يمتلكون ضميرًا، كما أن الافتقار إلى الضمير يشبه الافتقار إلى المكابح الداخلية. لماذا لا يبدو أن ضمير بعض الناس يزعجهم أو يُؤنبهم؟ هل تجاهلوا ضميرهم؟ أم أنهم لا يمتلكون ضميرًا؟

إن نماذجنا التقليدية كانت دائمًا تقول إن كل شخص لديه درجة معينة من الضمير، ولكنهم أغرقوه بنوع من التكتيكات أو آلية الدفاع اللاواعية إما الإنكار وإما الترشيد. هذا هو التفكير التقليدي.

لكننا نعلم الآن أن هناك أشخاصًا لم يطوروا ضميرًا. وقد تعودنا على التفكير في أن كل شخص سوف يتطور بطريقة صحية إذا لم يعق نموه صدمة، ولكن هذا خاطئ، فالكثير من الأشخاص الذين مروا بصدمات استطاعوا أن يطوروا ضميرًا جيدًا. ومن الخطأ أن نقول «إن فاقد الشيء لا يعطيه» أو «فقط من تأذى سيقوم بإيذاء الآخرين» بعبارة أخرى، الأشخاص الذين تضرروا من الصدمة يعيدون النظر في تلك الصدمة على الآخرين لأنهم لم يشفوا بعد.

هناك قدر معين من الحقيقة في ذلك، لكن المأساة الأكبر في عصرنا النرجسي هي أن هناك الكثير من الأشخاص بيننا أولئك الذين لم يحصلوا على التنشئة الاجتماعية المناسبة منذ البداية. أي إنهم لم يحصلوا على ما يحتاجون لكي نغرس فيهم القيم والتوجيه الإيجابي، لذلك نشأوا بضمير سيئ أو بلا ضمير على الإطلاق.

يجب أن نقول إن البديهية القديمة التي تقول:«إن من تأذى سابقًا هو فقط من يكون قادرًا على الإيذاء» تؤدي إلى قدر كبير من الأضرار وهي لا تحترم مئات الأشخاص الذين أصيبوا بجروح عميقة وتحملوا المشقة والألم والظروف المؤسفة أكثر مما يعانيه معظمنا في حياته، والذين ما زالوا يتحولون إلى أشخاص لائقين حقًّا غير قادرين على إيذاء ذبابة. يجب أن نكون مؤمنين بأننا قادرين على التغيير، التنشئة الاجتماعية هي عملية معقدة مستمرة وقد ولدنا متوحشين وبعض الناس لا يتخطون ذلك أبدًا، وفي ثقافتنا النرجسية القول إن أولئك الناس غير قادرين على أن يطوروا ضميرًا صحيًّا فهذه هي المأساة.

لماذا لا يجب أن أتلاعب بالآخرين؟

نحن نعيش في عصر الأنا والنرجسية حيث لا يجري التسامح مع السلوك السيئ فحسب، وإنما يجري الاحتفال به ومكافأته. إذا واجهك وقال انظر سأكون صادقًا، أنا أتلاعب بالناس ولماذا لا أفعل، فأنا بالتلاعب أحصل على ما أريد ويجعلني هذا ناجحًا فماذا ممكن أن تقول؟

كما يعلم معظمنا أننا جميعًا سنموت في مرحلة ما، يدرك معظم الناس أنه على الرغم من أن الأمر كله يتعلق بهم، فإنه لا يمكن أن يكون كل شيء عنهم. سواء أحببنا ذلك أم لا، وسواء كنا نقدره أم لا، وسواء أدركنا ذلك أم لا فنحن جميعًا جزء من شيء أكبر، وكل ما نقوم به له تأثير في كل شيء آخر أو شخص آخر. وعندما نحصل على ذلك أخيرًا، عندما نهتم أخيرًا بما يكفي لجعل هذا الأمر مهمًّا نغير حياتنا للأفضل ويكون لدينا تأثير أكثر إيجابي في حياة أولئك الذين نتواصل معهم، هذه مسالة روحية للغاية.

لكن نحن في هذا العصر نعاني من الإفلاس الروحي، لدينا الكثير ونحن نعده أمرًا مفروغًا منه، ولا نولي اهتمامًا للصورة الأكبر لأننا نجحنا في مجرد الاهتمام بأنفسنا ورغباتنا الصغيرة. إنه عصر (أنا) حتى الكوكب نفسه يصرخ من الإساءات التي كدسناها عليه. في النهاية سنعيش ونزدهر كنوع عندما نحتضن تلك الصورة الأكبر وعندما نضع حدًّا لتلك النرجسية والتركيز على الذات والانغماس في الذات وندرك ما إذا كنا نحبها (الطبيعة) أم لا، سواء اعتنقناها أم لا، فنحن جزء من شيء أكبر ولدينا مسئولية لإدارة أنفسنا بطريقة أكثر مسئولية.

هل التلاعب واعٍ أم غير واعٍ؟

العديد من الأشخاص في الطرف المستقبل يتساءلون دائمًا:-

«ألا يرى هذا الشخص الآخر ما يفعله؟ ربما إذا كان بإمكاني جعلهم يرون».

حسنًا، المشكلة هي أنهم يرون بالفعل. إنهم يعرفون بالضبط ما يفعلونه. وإلا لما فعلوا ذلك. يأتي هذا النوع من المفاهيم من النماذج النفسية القديمة والمتهالكة التي تفترض أن سلوك معظم الناس غير واعٍ، ولا يعني ذلك أن هذا المنظور غير صحيح. إنه منظور صالح لكثير من الناس، خاصة أولئك الذين لديهم درجة معينة من الضمير وهم في صراع مع طبيعتهم الحيوانية. لكن هناك أناسًا بيننا بشكل متزايد هذه الأيام، الذين ليس لديهم ضمير، إنهم على علم لكنهم لا يهتمون، إنهم يرون لكنهم يختلفون، إنهم يعرفون ما المبادئ الصحيحة لكنهم يتعارضون مع هذه المبادئ، إنهم مدللون يريدون فقط أن يشقوا طريقهم وسوف يفعلون كل ما يلزم للحصول عليه، إنهم يعرفون بالضبط ما يفعلونه، وبمجرد أن يدرك الشخص الموجود على الطرف الآخر ذلك، سيبدأ سريعًا في الدفاع عن نفسه وعدم قبوله بعد الآن.

كيف هو العالم الداخلي للمتلاعب أو المبتز؟

يكره المبتزون العاطفيون الخسارة، فليس بإمكانهم تحمل الإحباط وبالنسبة للمبتز الإحباط مرتبط بمخاوف عميقة وطنانة من الخسارة أو الحرمان، وهم يخبرونه على أنه تحذير مفاده إذا لم يتخذ إجراء فوري فسيواجهون عواقب غير محتملة. وقد تكون تلك القناعات راسخة في تاريخ مطول من الشعور بالقلق والخطر. وإن إتمام وتقوية عوامل جينية محتملة ما هي إلا رسائل شديدة الوضوح من رُعاتنا ومجتمعنا تخبرنا عن هويتنا وكيف يُفترض أن نتصرف. يعتقد المبتزون أن بإمكانهم تعويض إحباطات الماضي عن طريق تغير الوضع الحالي.

ترتفع طاقة الابتزاز بصورة دراماتيكية خلال الأزمات: مثل الانفصال، أو الطلاق، أو فقدان الوظيفة، أو خلال المرض، أو التقاعد، ربما يقوض إحساس المبتزين بأنفسهم كأشخاص ذوي قيمة. وفي أغلب الأحيان فإن الأشخاص الذين تَوفَر لهم كل شيء وتمت حمايتهم حماية مفرطة وعاشوا شكلًا من أشكال الدلال، لم يحظوا بفرصة لتطوير ثقتهم في قدرتهم على تحمل أي نوع من الخسارة. وبعد أول إشارة تدل على إمكانية حرمانهم من شيء ما، يصابون بالذعر ويدعمون أنفسهم بالابتزاز. عادة يركز المبتزون كليًّا على احتياجاتهم ورغباتهم ولا يبدون أي اكتراث لاحتياجاتنا أو مدى تأثير الضغط الذي يسلطونه علينا. وهم يتصرفون غالبًا وكأن كل خلاف يطرأ هو مسألة حياة أو موت بالنسبة للعلاقة.

ينجح المبتزون من خلال تكتيكات تُحدِث صدعًا في العلاقة لا يُحمد عقباه. مع ذلك يبدو ذلك النصر القصير الأمد مقتصرًا على ذاته فقط، وكأنه ليس هناك من مستقبل يؤخذ بنظر الاعتبار. ومعظم المبتزين يعملون من منطق «أريد وقت ما أريد». وأي منطق أو قدرة على رؤية عواقب أفعالهم يحجبها الإلحاح الذي يشعر به المبتزون حين يمسكون بما يريدون.

إن أهم الأمور التي يجب إدراكها هو أن المبتز أو المتلاعب بالعاطفة يقول ويشعر بأن ما يفعله من أجلك أنت ولكن في أغلب الأحوال، ليس الأمر من أجلك مطلقًا. حيث إنها تنبع وتحاول أن تثبت بعض المواطن غير الآمنة داخل المبتز. وفي الكثير من المرات يتعلق الأمر أكثر بالماضي لا الحاضر وهي مرتبطة بسد احتياجات المبتز أكثر من ارتباطها بأي شيء يقول هو بأننا فعلناه أو لم نفعله.

يتطلب الأمر طرفين

لا يمكن للابتزاز أن ينجح لولا المشاركة الفعالة للهدف. فالهدف يسمح له بالحدوث. قد تكون على علم بالابتزاز، ولكنك تشعر بعدم قدرتك على المقاومة، لأن ضغط المبتز يطلق فيك استجابات مبرمجة تقريبًا، حيث إن ردود أفعالك ذاتية ومندفعة.

قد يدرك المبتزون المواضيع الخلافية بالنسبة لك. وحين يتم مقاومتهم، يُثار الخوف من الحرمان فيستخدمون كل معلومة لضمان انتصارهم.

إن الصفات الوقائية التي نمتلكها والتي تفتح الباب للابتزاز العاطفي هي ما يلي:-

– حاجة مفرطة للحصول على الاستحسان.

– خوف شديد من الغضب.

-الحاجة إلى السلام مهما كلف الأمر.

– النزوع إلى تحمل مسؤولية حياة الأشخاص الآخرين أكثر من اللازم.

– مستوى عالٍ من الشك بالذات.

عندما تجري موازنة تلك الأنماط واستبدالها بسلوكيات أخرى، لن يتحتم عليك أن تكون «الهدف المفضل» للمبتز بالعاطفة. يتطلب الابتزاز العاطفي تمرينًا ومزاولة. ويستمد المبتزون إشاراتهم من ردود أفعالنا تجاه اختياراتهم ويتعلمون مما نفعله ومما لا نفعله على حد سواء.

أثر الابتزاز

قد لا يهدد الابتزاز العاطفي حياتنا، لكنه يسلبنا نزاهتنا. والنزاهة هي المكان الذي تسكنه قيمنا وبوصلتنا الأخلاقية، موضحة لنا الصواب من الخطأ.

ـ نخذل أنفسنا.

ـ تنشأ حلقة فاسدة.

ـ التسويغ والتبرير.

ـ الأثر في رفاهيتنا:-

ـ الصحة العقلية.

ـ الأذى الجسدي كتخدير.

قد نخون الآخرين لتهدئة المبتز، إنه يمتص الأمان من العلاقة، وقد نغلق أو نقيد الكرم العاطفي.

كيف نواجه المبتز أو المتلاعب؟

من أجل أن نتغير، علينا أن نعرف ما علينا فعله، ومن ثم ننطلق إلى الفعل. إذا كنت راغبًا في اتخاذ إجراء فوري والسماح لمشاعر الثقة والأهلية لديك باتباعك، يمكنك إنهاء الابتزاز العاطفي.

ثلاث خطوات بسيطة:-

(تعهد، جملة فورية: أستطيع تحمل ذلك، مجموعة من العبارات المعززة للذات)

الخطوة (1): توقف

لا تتخذ قرارًا بخصوص كيفية استجابتك لخطة تلقيك للطلب. امنح نفسك بعض الوقت للتفكير.

الخطوة (2): كن رقيبًا

اجمع المعلومات التي تحتاجها للرد على المبتز.

افهم حقيقة ما يحدث:

بماذا تفكر؟

بماذا تشعر؟

ما بؤر التوتر بالنسبة اليك؟

تابع المراقبة إلى أن تبدأ بإنشاء ارتباطات بين اعتقاداتك ومشاعرك وسلوكك.

الخطوة (3):- وقت لصناعة القرار

هناك ثلاث فئات من المطالب

_ مطلب ليس بالكبير والصعب

_ مطلب ينطوي على مهمة، حيث تكون نزاهتك على المحك.

_ مطلب ينطوي على أمور حياتية رئيسية والإذعان له ضار لك وللآخرين.

حدد عملية صناعتك للقرار وخذ بنظر الاعتبار مدى تأثير كل خيار في حياتك ونزاهتك.

حين تصنع قراراتك بالاستناد إلى معاييرك لا معاير المبتز، فأنت تسدد ضربة موجعة لدورة الابتزاز العاطفي.

كيف أواجه التلاعب العاطفي أو الابتزاز العاطفي؟

هناك عدة إستراتيجيات

1- التواصل اللا دفاعي

لا تدافع عن أو تقر قراراتك أو ذاتك عند التعرض إلى الضغط، وإنما استعمل عبارات مثل (آسفة لانزعاجك) أو(حقًّا، يمكنني فهم سبب رؤيتك للأمر بهذه الطريقة) فبدون الوقود التي يوفرها الهدف، تتلاشى محاولات الابتزاز التي كانت في السابق تنجح بامتياز.

دقق في اختيار الزمان والمكان. ضع شروط المقابلة وأعلن قراراتك وتمسك بها، ورجح بأن لا يستجيب لك في الحال، توقع إجاباتهم، تمرس على لعب الدور (قد تتعرض لتهديدات أو شتائم أو سب أو أحكام سلبية، سيل من (لماذا) و(كيف) تطالبك بتغيرات حول قرارك.

فيما يخص الأشخاص ذوي (الصمت الغاضب)، حافظ على عدم الدفاع.

2- استخدام المبتز أو المتلاعب بوصفه حليفًا.

حين يصل الابتزاز إلى درجة من التأزم، من المفيد تحويل الحوار عن طريق تضمين الشخص الآخر في عملية حلك للمشكلات. تقرب اليه بفضول ورغبة في التعلم، استخدام «أداة التساؤل» (أتساءل ما قد يحدث لو…).

3- المقايضة

إذا أردت أن يغير شخص ما من سلوكه، وفي الوقت نفسه تعد بضرورة إحداث تغيرات على أسلوبك أنت، قد تكون المقايضة هي الحل السليم، حيث إنها انتصار للطرفين. وهي تساعد على طرح الاستياء عن طرف من الطرفين.

4- استخدام حسن الدعابة

في العلاقات الجيدة في أساسها، يمكن أن تصبح الدعابة أداة فاعلة من أجل اطلاع الشخص الآخر على الصورة التي يبدو عليها سلوكهُ بالنسبة لك.

ذئاب في ثياب الحملان مصطلح يستخدم لوصف أولئك الذين يلعبون دورًا مخالفًا لشخصياتهم الحقيقية، ولا تستطيع أنت أن تكشفهم ويكون الاتصال بهم خطيرًا، والأخطر من ذلك أن هؤلاء قد يكونون ضمن الدائرة الأقرب لك (الأهل، الأحبة، الأصدقاء، الزملاء، رؤساء العمل).

وكما يقال:«لا ينبغي الحكم على الناس من خلال مظهرهم الخارجي وإنما من خلال أعمالهم، لأن الكثيرين ممن يرتدون ملابس الحملان يقومون بأعمال الذئاب».


تحليل نفسي لاسباب المقاطعة

  لماذ قاطع العراقيون انتخاباتهم مؤخرًا؟ الدكتورة مريم خلف 15:00 23 نوفمبر, 2021 أجريت في 10 من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي انتخابات سميت با...